الحماية النسائية. قوة لا تنتقص من الانوثة

على الرغم من نقش الحناء على أيديهن، ومساحيق التجميل في وجوههن، وحبات الألماس تزين أسنانهن، فإنهن يحملن داخل قلوبهن قوة جبارة أهلتهن إلى أن يصبحن ضمن إدارة الحماية الخاصة، في الشرطة النسائية، في أبوظبي.

35 امرأة تحدين الثقافة الذكورية، وتحفظ العائلة أحيانا، ليكن جنبا إلى جنب في مهمة تم حصرها بالرجال فقط، وأكدن أن تنفيذ المهام الأمنية الدقيقة لم يعد مقتصرا على الجنس الخشن، لأن العقل أثبت جدارته أكثر من قوة الجسد، حيث سرعة البديهة  شرط أساسي لتأهلهن لحساسية الوظيفة ومتطلباتها، ومع ذلك فهن لا يخفين حمرة وجناتهن إذا خجلن أمام أي سؤال قد يطرح عليهن، والفصل عندهن قائم بين العمل وبين حياتهن الشخصية، حيث عبرت إحداهن أنها تعتز بأنوثتها أمام الجميع خارج حدود عملها، وبعد الانتهاء من مهمة حماية شخصية بارزة ما في الدولة تعود إلى مرآتها لتعدل زينتها وتطمئن إلى جمالها.

ويرى نائب مدير إدارة المهام الخاصة في الإدارة العامة لحماية المنشآت في شرطة أبو ظبي، المقدم يوسف الحوسني، أن «المرأة الإماراتية لم يعد عملها مكتبيا فحسب؛ بل تعداه لتساند الرجل في مهمات كانت حكرا له».

أربع شرطيات تحدثن إلينا، لكل منهن رواية، لكن الشيء الوحيد الذي جمعهن أن حبهن لرداء الشرطة منذ الصغر، هو المحرك الأول لدخولهن هذا المجال.

حلم الطفولة
أول ما شجعهن على دخول قسم الحماية الخاصة هو الرداء العسكري للشرطة، وبعدها تم التعلق بحيثيات المهمة ودخلن التجارب الصعبة، فتعلمن الجودو والكاراتيه والكونغ فو، وحمل السلاح وكيفية استخدامه، ودخلن تجارب لها علاقة بسرعة البديهة والتي تخاطب العقل قبل قوة الجسد، وعن هذا قالت المساعد أول عفراء البادي «على الرغم من اعتراض عائلتي في بداية الأمر على دخولي مجال الشرطة، فإنني تحديت رفضهم، وقمت بالتسجيل خفية ووضعتهم أمام الأمر الواقع»، وأضافت «لا لشيء سوى لتحقيق حلم الطفولة في أن أرتدي زي الشرطة، وأتجول به أمام الناس، وخصوصاً بوجود جارة لي تعمل في سلك الشرطة»، مؤكدة «لكن الأمر تعدى الزي، وأصبحت في مكان يجب أن اثبت جدارتي فيه»، موضحة «بعد التسجيل مباشرة قررت الالتحاق بإدارة حماية الشخصيات، وبدأت الدورات التدريبية التي بنظري كانت قاسية حينها، وأنني لن أحتملها إلا أنني أصررت على المتابعة وتعلمت كل فنون القتال وحمل السلاح وكيفية إطلاقه وكنت أشعر بمتعة كبيرة لا تضاهيها متعة»، مضيفة «حب الوطن وحب القائمين عليه هما أساس التحدي، وحلم الطفولة أصبح حقيقة وواقعا أعيشه». وعن طبيعة عملها وإذا ما تعرضت لمواقف محرجة أو ماشابه قالت «أجمل ما في عملنا أنه يحفز العقل على التركيز بشكل غير مباشر، ويعطيه أوامر خفية بردات الفعل المناسبة، فتريننا يقظات ومنصتات بشكل لا إرادي نتيجة الدورات التي وفرتها لنا الادارة العامة لشرطة أبوظبي»، وأضافت «إن الشخصية التي نقوم بحمايتها تفرض علينا خطة معينة، حسب الوضع الاجتماعي أو المكان الموجودة فيه ». مشيرة إلى أن «الرداء قد يكون رسميا أو مدنيا حسب الحالة»، وأضافت «الأهم من كل هذا أن لا نشعر الشخصية المهمة بأنها مراقبة من قبلنا، وهذا شيء تم التدرب عليه أيضا، لنعطي مساحة للحركة بحرية أكبر لها من دون شعور بخوف يهددها وبهذا نقر بأننا نجحنا في مهمتنا». وعن ردة فعل ذويها لدى معرفتهم أنها ضمن فريق الشرطة النسائية قالت «أصبح والدي الآن يفتخر بي أمام الناس، ويظهر إعجابه الشخصي بلباسي العسكري». مؤكدة «أحب هذا الرداء وأكون سعيدة حين يتم تكليفي مهمة أرتدي فيها اللباس العسكري وليس المدني».

وعما إذا كانت حياة الشرطة ومصاعبها  أبعدت عفراء عن حياتها قالت «أنا خارج المهة إنسانة عادية وأمارس حياتي بشكل طبيعي، على الرغم من وجود تعليقات جارحة ولكني أتجاوزها بحب نتيجة الثقة التي أتمتع بها» . 

تعزيز الإحساس
في المقابل قالت الشرطية مريم السويدي إن إعلانا صغيرا في صحيفة محلية غيّر مجرى حياتها «فبمجرد قراءتي للإعلان عدت إلى نفسي متذكرة أنني طالما أعجبت بالشرطة وخصوصا رداءهم، فهرعت إلى والدتي التي شجعتني ورافقتني من الشارقة إلى أبوظبي لألتحق بأول دورة في هذا المجال». وأضافت «لي الفخر بأن أكون من النساء اللواتي التحقن بأول دفعة، فقد تغيرت حياتي كليا منذ التحاقي بإدراة الحماية الخاصة»، موضحة «تعلمت أن العقل وتسخيره هما أقوى من أكبر بنية جسمانية». وأضافت «هنا شعرت بثقة كبيرة بأن جميع من حولي يتعاملون معي على أنني عقل تدرب على سرعة البديهة والحس الأمني الذي من شأنه حماية الشخصيات المهمة من دون إزعاجها»، مؤكدة أن «النجاح يكمن في القدرة على عدم إشعار الشخصية التي نقوم بحمايتها بأنها مراقبة من قبلنا، فهذا سيزعجها وبالتالي أكون قد أخفقت في مهمتي»، وعما إذا تعرضت لمواقف محرجة اثناء تأدية عملها قالت السويدي «لا توجد مواقف محرجة ولكن في بعض الأحيان أشعر بالقلق لا أكثر، وذلك لواقع الحرص على حياة الشخصيات المهمة وخوفا عليها»، وعن حياتها الخاصة «بعيدا عن العمل أمارس حياتي بشكل طبيعي وفق ما يتلاءم وأنوثتي، ولكني أجند نفسي لأكون على أهبة الاستعداد في أي وقت وأي مكان لتلبية نداء الواجب».

مسؤولية
وأشارت الشرطية عائشة العلوي إلى أن «عملنا في إدارة الحماية الخاصة ليس مقتصرا على حماية الشخصيات فحسب، بل تعداه إلى مكافحة الشغب إن وجد، ودهم أماكن لا يستحسن وجود الرجال فيها»، وأضافت «تدربنا تدريبات مكثفة على الأسلحة الخفيفة والثقيلة، والعصا (التونغا)، ومهارات الدفاع عن النفس وغيرها من أنواع الرياضات كالكاراتيه والكونغ فو، لنكون مستعدات لاي موقف نوضع فيه»، مؤكدة «منذ أن التحقت بالدورات وأنا مستغربة كيف أننا وصلنا   نحن الإماراتيات إلى هذا المستوى الذي كان حكرا على الرجال فقط، وكيف سأعمل في الحراسات، أما اليوم فأنا فخورة بأني أعمل في هذا المجال على وجه التحديد، والذي يعطينا قوة داخلية من الصعب أن تصل إليها أي امرأة أخرى»، وتوجهت العلوي إلى فتيات الإمارات قائلة «أنا أنصح للفتيات اللواتي لديهن رغبة في العمل في سلك الشرطة بأن لا يخفن ولا يترددن أبدا في الالتحاق بالدورات التدريبية، فهذا من شأنه تعزيز ثقتهن بأنفسهن من خلال منحهن قوة خفية يصعب تفسيرها». مؤكدة في الوقت نفسه  «نظل إناثا مهما مارسنا من حركات عنيفة، ولأنوثتنا علينا حق ولا نهملها ولكن خارج نطاق العمل»، وعما إذا تعرضت لمواقف محرجة قالت العلوي «في الإجمال لا، ولكن إذا كنا في أماكن عامة قد نتعرض لجمهرة بعض المعجبين بالشخصية التي نحميها، ويكون العمل حينها منوطا بردة فعل الشخصية والتي تكون عادة متواضعة ومحبة».

تشجيع الاهل
بدورها قالت الشرطية فاطمة الكعبي والتي لم تختلف أحلام الطفولة لديها عن زميلاتها بأن ترتدي الزي الرسمي للشرطة «إن تشجيع الأهل والعائلة والأصدقاء كان سببا في التقدم وبجرأة للالتحاق بإدارة الحماية الخاصة»، وأضافت «أهم ما يجب توافره في الحراسة النسائية سرعة البديهة وتلقي الأوامر بسرعة، لتدارك أي موقف قد تتعرض له الشخصية المهمة أثناء حمايتها»، وأضافت «أجمل الأشياء التي تحدث معها شخصيا عندما تشاهد علامات الرضا من قبل الشخصيات التي يتم حمايتها، والإعجاب بأدائها من خلال الشكر الخاص والابتسامة الجميلة التي تصدر منهن». 

لا فرق في التعامل
نائب مدير إدارة الحماية الخاصة المقدم يوسف الحوسني أكد أن التعامل مع النساء في العمل لا يختلف عنه مع الرجال. «فالمهات صعبة ولا تتطلب معاملات خاصة مع جنس على حساب الآخر»، وقال «قرار التحول من قسم صغير في الإدارة العامة لشرطة أبوظبي إلى إدارة مستقلة لحماية الشخصيات العامة منذ ثلاث سنوات، كان قرارا له صلة بمتطلبات التطور الذي يميز الدولة عالميا»، وأضاف «إنشاء قسم خاص للنساء الحارسات لحماية الشخصيات النسائية المهمة سواء داخل الدولة أو من ضيوف الدولة، هو سلوك حضاري لإعطاء الشخصية راحة نفسية بأن تتحرك وتتصرف بحرية من دون حرج».

مشيرا إلى أن دولة الإمارات تعد الثانية خليجيا، بعد البحرين، في تأسيس شرطة حماية نسائية «السبب الرئيس وراء إنشاء هذا التخصص هو المجتمع المحافظ الذي نعيش فيه، فكثير من الشخصيات النسائية المهمة يجدن حرجا إذا تم إرسال رجال لحمايتهن، ولكن مع وجود نساء متخصصات ومتدربات تدريبات لا تقل عن تدريب الرجال يعطيهن الثقة والأمان أثناء تحركاتهن»، وعن كيفية التنسيق لإرسال الحماية النسائية قال الحوسني «إن التنسيق يحدث من خلال مكتب الحرس الأميري الذي يحدد لنا المستوى المطلوب للحراسة بناء على مستوى الشخصية من الناحية الأولى ونوعية المكان إذا كان داخليا أو عاما أو ميدانيا». مشيرا إلى أن «حماية الشيخة تختلف عن حماية الأميرة عن الوزيرة عن نساء الملوك والوزراء إلخ، والحماية في الأماكن المغلقة تختلف عنها في الاماكن المفتوحة وهكذا».

وعن المواصفات التي يجب توافرها في الملتحقات والمؤهلات للحراسة النسائية قال الحوسني «أن تكون إماراتية، وألا يقل طولها عن 170 سم، على أساس أنه يجب ألا تكون الحارسة أقصر من الشخصية المراد حمايتها، والوزن يجب أن يكون متناسبا مع الطول». ومع هذا ينفي الحوسني ارتباط الحماية بالقوة الجسمانية «القوة هنا قوة العقل الذي نسعى إلى تدريبه بكل الوسائل من خلال برامج عالمية كسرعة البديهة والألوان وتمييزها وردة الفعل المناسبة ومستوى الذكاء والقدرة على الحفظ».

موضحا «على سبيل المثال قد تتعرض الشخصية المراد حمايتها إلى هجوم بسلاح أبيض، وهنا على الحارسة ألا تستخدم السلاح، بل يجب عليها استخدام الأساليب القتالية التي تدربت عليها كالكاراتيه ووالجودو». وأضاف «وقد يكون الهجوم لفظيا وهنا يوجد طريقة خاصة بهذا الموقف». ويكمل الحوسني الشروط الواجب توفرها بالملتحقات «أن تصل إلى حد الرضى بالتضحية بالنفس مقابل حماية الشخصية المهمة، وهذه هي القمة، ويحدث هذا من خلال تدريبات نفسية من قبل معلمين مؤهلين».

أما عن الدورات التي تخضع لها الحارسة النسائية فقال الحوسني «هناك دورتان الأولى وتسمى الدورة التأسيسية وفيها نجاح ورسوب، والناجحة منهن تتأهل إلى الدورة التخصصية التي تكون أكثر تعقيدا». وعن الأسلحة المستخدمة أثناء الحماية قال الحوسني «المسدس أو ما يطلق عليه السلاح القصي حيث يسهل حمله وتخبئته، سواء في الزي العسكري أو المدني حسب نوع الحماية ومكانها». وأشار الحوسني إلى «أن أجمل ما يميّز النساء في الإدارة، أنهن لا يترددن أبدا في قبول المهمة في أي وقت ومكان، على الرغم من وجود بعضهن بين عائلاتهن وأطفالهن». مشيرا مرة أخرى إلى أن «عمل الحارسة لا يقتصر على حراسة الشخصيات المهمة فقط، بل «في كثير من الأحيان نحتاج إليهن في مهام يصعب وجود الشرطة الرجالية فيها».

الحماية اللصيقة
الحماية اللصيقة نوع من أنواع الحماية الخاص بتأمين وصول الشخصيات والوفود النسائية الزائرة للدولة، من المطار إلى مقر إقاماتهن، والتي تتم في موكب رسمي تحت حماية الأجهزة الأمنية المختصة، ويكون دور الحماية الخاصة النسائية هنا بالمرافقة اللصيقة للشخصيات طوال مدة الإقامة وأثناء تحركاتهن الميدانية، تحسبا لوقوع أي مكروه.

تابع آخر الأخبار المحلية والعربية والدولية على موقع الإمارات اليوم على:

  • تويتر
comments powered by Disqus

استطلاع الرأي

هل تعكس الأعمال الدرامية الخليجية واقع وهموم المجتمع الخليجي؟

أفلام

  • من المجالس

    1 يوليو 2010 00:00

    أشفقت على حال الصيادلة العاملين في صيدلية مستشفى خليفة بأبوظبي عندما كنت أنتظر دوري في «طابور»

  • البنية المصرفية في دول «التعاون»

    1 يوليو 2010 00:00

    أفرزت الأزمة المالية العالمية ضرورة قيامنا في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي، بمراجعة النظم

  • فزعة « فريج »

    1 يوليو 2010 00:00

    كانت المؤسسات الإعلامية في الإمارات، ولاتزال، في طليعة من يدعمون إنتاج الدراما المحلية، وتقديمها

من أخبار الموقع الأخرى